فخر الدين الرازي

299

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أطعمهم من جوع قبل أن يعبدوه ، ألا يطعمهم إذا عبدوه ! وثانيها : أنه تعالى بعد أن أعطى العبد أصول النعم أساء العبد إليه ، ثم إنه يطعمهم مع ذلك ، فكأنه تعالى يقول : إذا لم تستح من أصول النعم ألا تستحي من إحساني إليك بعد إساءتك وثالثها : إنما ذكر الإنعام لأن البهيمة تطيع من يعلفها ، فكأنه تعالى يقول : لست دون البهيمة . السؤال الثاني : أليس أنه جعل الدنيا ملكا لنا بقوله : خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] فكيف تحسن المنة علينا بأن أعطانا ملكنا ؟ الجواب : أنظر في الأشياء التي لا بد منها قبل الأكل حتى يتم الطعام ويتهيأ ، وفي الأشياء التي لا بد منها بعد الأكل حتى يتم الانتفاع بالطعام المأكول ، فإنك تعلم أنه لا بد من الأفلاك والكواكب ، ولا بد من العناصر الأربعة حتى يتم ذلك الطعام ، ولا بد من جملة الأعضاء على اختلاف أشكالها وصورها حتى يتم الانتفاع بالطعام ، وحينئذ تعلم أن الإطعام يناسب الأمر بالطاعة والعبادة . السؤال الثالث : المنة بالإطعام لا تليق بمن له شيء من الكرم ، فكيف بأكرم الأكرمين ؟ الجواب : ليس الغرض منه المنة ، بل الإرشاد إلى الأصلح ، لأنه ليس المقصود من الأكل تقوية الشهوة المانعة عن الطاعة ، بل تقوية البنية على أداء الطاعات ، فكأن المقصود من الأمر بالعبادة ذلك . السؤال الرابع : ما الفائدة في قوله : مِنْ جُوعٍ ؟ الجواب : فيه فوائد أحدها : التنبيه على أن أمر الجوع شديد ، ومنه قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا [ الشورى : 28 ] وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من أصبح آمنا في سربه » الحديث وثانيها : تذكيرهم الحالة الأولى الرديئة المؤلمة وهي الجوع حتى يعرفوا قدر النعمة الحاضرة وثالثها : التنبيه على أن خير الطعام ما سد الجوعة ، لأنه لم يقل : وأشبعهم لأن الطعام يزيل الجوع ، أما الإشباع فإنه يورث البطنة . أما قوله تعالى : وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ففي تفسيره وجوه أحدها : أنهم كانوا يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد ، ولا يغير عليهم أحد لا في سفرهم ولا في حضرهم ، وكان غيرهم لا يأمنون من الغارة في السفر والحضر ، وهذا معنى قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [ العنكبوت : 67 ] ثانيها : أنه آمنهم من زحمة أصحاب الفيل وثالثها : قال الضحاك والربيع : وآمنهم من خوف الجزام ، فلا يصيبهم ببلدتهم الجذام ، ورابعها : آمنهم من خوف أن تكون الخلافة في غيرهم « 1 » وخامسها : آمنهم بالإسلام ، فقد كانوا في الكفر يتفكرون ، فيعلمون أن الدين الذي هم عليه ليس بشيء ، إلا أنهم ما كانوا يعرفون الدين الذي يجب على العاقل أن يتمسك به وسادسها : أطعمهم من جوع الجهل بطعام الوحي ، وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى ، كأنه تعالى يقول : يا أهل مكة كنتم قبل مبعث محمد تسمون جهال العرب وأجلافهم ، ومن كان ينازعكم كانوا يسمون أهل الكتاب ، ثم أنزلت الوحي على نبيكم ، وعلمتكم الكتاب والحكمة حتى صرتم الآن تسمون / أهل العلم

--> ( 1 ) أقول والأسف يملأ الفؤاد ويقض الجوانح ويمزق الأكباد : إن هذا الوجه الرابع لا محل لذكره الآن ، فقد أصبحت الخلافة الإسلامية أثرا بعد عين ، وانقرض ظلها وزوى ، فلم يعد للمسلمين خليفة من قريش ولا من غيرهم ، والأمل معقود في الجامعة العربية أن توفق إلى رد هذا الحق المسلوب ، وإعادة هذا السلطان الضائع الذي قضى عليه الاستعمار والمستعمرون ، ليشيع التفكك والاضطراب ، وتعم الفوضى بين المسلمين والعياذ باللّه ( عبد اللّه الصاوي ) .